الشباب اللبناني يسافرون طلباً للعلم بحثاً وراء أحلامهم التي تُقتل يومياً أمام أعينهم
طموحي أن أعيش حياة كريمة بعيداً عن هم إنقطاع الكهرباء والمياه والأوضاع الأمنية المتردّية «الأمديست» تساعد الطلاب على إيجاد منح تعليمية في الولايات المتحدة ولبنان بحسب كفاءتهم العلمية وإمكانياتهم المادية كُثر هم الشباب اللبناني الذين يحلمون بالسفر إلى الخارج والرحيل عن الوطن بحثا وراء أحلامهم التي تُقتل يوميا أمام أعينهم، في بلد تناسى أبناؤه حيث يركض كل زعيم وراء مصالحه الشخصية وليس وراء مصالح أبنائه ومصالح وطنه. فالسير في شوارع باريس أو أميركا أو لندن أو كندا بات أهم حلم لدى شبابنا لاعتقادهم بأنهم ما أن يصلوا لهذه البلاد سيكونون قد دخلوا دائرة الأمان وابتعدوا نهائياً عن دائرة الخطر. كيف لا وهذه البلاد سوف تؤمّن لهم العلم والأمان والإستقرار والطمأنينة، كما ستؤمّن لهم السير على الطرقات دون أن يتعرّض لهم أحد بالقتل أو التعدّي.. لأن هذه البلاد باختصار تحترم الإنسان وحقوقه وتدافع عنها. هم شباب يقفون لساعات وساعات أمام سفارات العالم، وكل همّهم الحصول على تأشيرة سفر تنقلهم خارج لبنان، لتحقيق أحلامهم وبناء حياة محترمة والعمل الدؤوب في سبيل بناء أسرة تنال بدورها في المستقبل الجنسية الفرنسية أو الأميركية... وبذلك يكونون قد أصابوا عصفورين بحجر واحد. باختصار حلم السفر للخارج بات أكثر انتشاراً، وعلى الرغم من عدم تصريح الشباب به بشكل دائم، إلا أنه يراودهم باستمرار، لدرجة أنه بات هاجسهم الدائم وبمجرد التحدث معهم في هذا الأمر تلمع الفكرة في عيونهم ويتمنون دون تردّد


«اللواء» التقت عدداً من الطلاب الذين يودّون السفر إلى الخارج طلباً للعلم وعادت باللقاءات التالية:
تحقيق: سمار الترك - رنا الأمين

مسافر دون عودة
{ حسن بيضون، شاب في الـ 18 من عمره، يؤكد أنه لا يسعى إلى إكمال حياته خارج لبنان فقط، بل خارج جغرافيا الوطن العربي كله، يقول: «طموحي أن أعيش حياة كريمة بعيدا عن هم انقطاع الكهرباء والمياه وارتفاع الأسعار والأوضاع الأمنية المتردّية، فأنت تخرج ولا تعلم إن كان بإمكانك العودة إلى منزلك بأمان.
بالأمس قتل رجل في الجميزة والناس بقيت تتفرّج، أي بلد هذا يقتل أبناؤه بغمضة عين؟!
صدقيني أنا أنتظر بفارغ الصبر مغادرة البلد كي أبدأ دراستي الجامعية في فرنسا بين بشر تقدّر معنى الإنسانية على أن أبقى هنا في بلد تذبح الإنسانية فيه لحظة بلحظة دون المبادرة بأي خطوة رادعة، أنا مسافر دون عودة ومن يشتاق إليّ من الأهل يأتي لزيارتي لأن حال هذا البلد كما المثل القائل: «لا حياة لمن تنادي».
الحياة في الخارج أكثر جمالاً
{ منى جوني شابة عاشت في الخارج وجرَّبت الحياة ولمست فروقات كثيرة جعلت رغبتها في إكمال الحياة في الخارج هدفها الأول عقب التخرّج، تقول: «الحياة في الخارج أكثر جمالا وانفتاحا، وهي لا تقاس بفاتورة المياه المنقطعة، ولا تقاس بفاتورة الكهرباء، ولا برغيف الخبز، ولا بالمحروقات التي ترتفع أسعارها بلا انقطاع. بالتأكيد مصاعب الغربة كثيرة لكن في المقابل هناك حياة كريمة تنتظر كل منا، بعيدا عن هموم الحياة. باختصار الطالب بمجرّد سفره لأي بلد أجنبي يلقى الترحاب وينال كامل حقوقه وتفتح له الأبواب، أما في لبنان مع الأسف فهو كي يتعلّم وينال شهادة معتبرة عليه أن يتابع الدراسة في جامعة خاصة رفيعة المستوى وفي المقابل على الأهل دفع ما لا يقل عن 20 ألف أو 30 ألف دولار كحد أدنى».
أحلم بحياة بلا هموم
{ جوني مدور شاب في الـ 22 من عمره ينوي السفر لمتابعة دراسة «الماستير» في الخارج، يقول: «الحقيقة أن الرغبة في السفر طلبا للعلم غير مقتصرة على فئة الشباب الذين تخرّجوا من المدرسة فقط بل تشمل أيضا المراهقين وطلاب المدارس. فالمراهق يلحُّ على والده لإرساله للدراسة في الخارج، وإن تعذّر عليه تحقيق هذا الحلم في هذا السن فسيهاجر بمجرّد التخرّج.
أنا أحاول أن أحصل على «فيزا» إلى واحدة من الدول الأوروبية، أو كندا، أو حتى أستراليا لأنني أعتقد أن كل شيء هناك أفضل، الحياة أسهل، والأموال أكثر، كذلك العمل، والدراسة أفضل».
أما أكثر ما يدفعني لاتخاذ هذا «القرار»، هو الحلم بحياة بلا هموم، لأنني رأيت كم تعذّب والدي وعمل ليلا نهارا، كذلك والدتي، وهما من الموظفين الذين يحصلون على دخل جيد، مقارنة برواتب الآخرين، إلا أن همّهم منصبّ كليا على إنهاء قسط الشقة الصغيرة، وأقساط السيارة، وتأمين رسوم دراسة الأبناء المجبرين على تسجيلهم في المدارس الخاصة. لذلك أنا لا أريد أن أعيش الحياة نفسها لأنني إن بقيت في لبنان سأبقى مكاني ولن أتقدّم خطوة واحدة».
أسافر طلباً للعمل
{ ليلى فاخوري دائمة التفكير في السفر والعمل في الخارج لأن «فرص العمل هناك برأيها أكثر وأفضل، تقول: «أنا لا أسافر طلبا للعلم بل للعمل، لقد سبق وأن أنهيت دراستي منذ سنوات لكن فرص العمل التي حظيت بها لا تسرّ لذلك قررت السفر لدول الخليج لأن العمل هناك أفضل وأسهل من الدول الأوروبية، فالبلاد العربية لا تشعر الفرد بغربة كبيرة كما هي في البلاد الأوروبية أو أميركا، لافتة إلى أنها قدّمت السيرة الذاتية في أكثر من مكان علّها تحصل على عمل تستطيع من خلاله تسديد الالتزامات المترتبة عليها ومساعدة أهلها».
شعور بالإطمئنان والإستقرار
{ علي طالب شاب في الـ 30 من عمره أنهى دراسته الجامعية في لبنان وذهب إلى كندا لمتابعة الدراسات العليا في مجال الحقوق، يقول: «حاليا وبعد أن أنهيت دراستي قررت أن أبقى للعمل في كندا، صحيح أن الحياة هناك أفضل بالفعل، من ناحية توفّر الكماليات وجمع المال، لكن فكرة الغربة قاسية جدا، ولا يطيقها الجميع.
فالعيش في بلد ليس لك فيه أصدقاء ومعارف فيه الكثير من اللحظات الصعبة، فإذا مرضت مثلا، أو إذا مررت بظروف صعبة فلن تجد أحدا يمدُّ لك يد المساعدة، هذا بالإضافة إلى اختلاف العادات وأساليب الحياة. لكن مع ذلك أنا أتحمّل كافة هذه المسائل لأنني لا أتحمّل فكرة البقاء أو العودة للحياة في لبنان في وقت اعتدت فيه على النظام والشعور بالإطمئنان والإستقرار».
كيفية التحضير للسفر؟
لمعرفة كيفية تحضّر الطلاب للسفر إلى الخارج والإمتحانات التي تخوّلهم النجاح في هذه الخطوة، التقت «اللواء» المسؤولة الإعلامية في المجلس الثقافي البريطاني ميلاني المر للوقوف على أبرز الخطوات في هذا المجال، فكان الآتي:
المجلس الثقافي البريطاني
{ بداية، كيف تحضّرون الطلاب للسفر إلى الخارج؟
- نحن لا ندفع الطلاب للسفر إلى الخارج ونقول لهم أننا سنتكفل بكل شيء، نحن نقدّم لهم التوجيه ونعرّفهم على الخطوات التي يجب عليهم القيام بها، نحن نسهّل طريق الطلاب الذين اختاروا السفر إلى الخارج ونحضّرهم للسفر من خلال تدريبهم على الإمتحان المعتمد في كافة جامعات بريطانيا ثم إجراء هذا الإمتحان، ويكون هذا الإمتحان بمثابة ورقة دخول للجامعات في بريطانيا، كما هو معتمد أيضاً في أفضل 25 جامعة أميركية». 
{ ما هي الإمتحانات التي تقومون بها؟
- هناك إمتحان الـ IELTS، والـ Aptis التابع للمجلس الثقافي البريطاني، نحن وضعنا هذا الإمتحان وعملنا على تطويره، وهو عبارة عن أداة لتقييم اللغة الإنكليزية، يمكن للشركات أن تستعمله لتعرف مستوى موظفيها أو المدارس».
{ هل هناك منح محددة تقدّمونها لهم؟
- «نحن لا نقدّم المنح بطريقة مباشرة، نحن نعمل مع مؤسستين Said foundation و British Lebanese association، وكمجلس ثقافي بريطاني نلعب فقط دور الوسيط بين الجمعية والطلاب والمدارس والجامعات. ونقدّم حوالى ٦ منح خلال العام».
{ ماذا عن عدد الطلاب، هل هو في تزايد؟
- «لقد بلغ عدد الطلاب اللبنانيين في جامعات بريطانيا للعام الدراسي ٢٠١٢/٢٠١٣: ٧٣٥ طالباً، أما في العام الدراسي ٢٠١٣/٢٠١٤ فقد زاد العدد ليبلغ الـ 875 طالباً.
وبهدف تعريف الطلاب اللبنانيين على المزيد من الجامعات سنقيم في تشرين الثاني المقبل ولأول مرة معرضاً للجامعات البريطانية وستشارك فيه 9 جامعات بريطانية».
 «الأمديست»
{ مديرة «الأمديست» في لبنان بربارة شاهين بتلوني تحدثت بدورها عن كيفية تحضير الطلاب فأشارت إلى أن «الأمديست» إسم ارتبط بالتعليم الجامعي الأميركي في لبنان والولايات المتحدة، وهي شركة خاصة غير ربحية تأسست سنة 1951 ولديها سجل المشاركة في التعليم الدولي والمساعدة الإنمائية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما أنها تقدم المساعدة للطلاب للوصول إلى التعليم في 4500 كلية وجامعة في الولايات المتحدة.
بتلوني أوضحت بأن «الأمديست» تقوم بتسجيل من يريدون إجراء إمتحانات الدخول الجامعية، وهي تقوم بتحضير التلامذة لهذه الإمتحانات كالـ «توفل» عبر برامجها المختلفة، مضيفة بأن «الأمديست» تساعد الطلاب على إيجاد منح تعليمية في الولايات المتحدة ولبنان بحسب كفاءتهم العلمية وإمكانياتهم المادية، ذاكرة أن «الأمديست» لا تميّز جامعة على حساب أخرى، وهي تعمل دائما على تأمين مصلحة الطالب في لبنان وخارجه. إنطلاقا من ذلك، فإن مركز «الأمديست» يؤمّن للطالب فرصة اختيار ما يحب أن يفعله في المستقبل من تخصص، مع العلم أن هناك الكثير من المدارس المحلية التي لا تؤمّن هذا الأمر للطالب اللبناني.
أما أهم برامجها فهي برنامج «فولبرايت» حيث يكتسب المشاركون فيه المعرفة، المهارات، الخبرة العالمية واللغة التي سيحتاجون إليها لحل المشكلات، إضافة إلى برنامج «اكس» وهو برنامج المنح الصغيرة للوصول إلى اللغة الإنكليزية، وهو تدريبي معد لتوفير تجربة تعلم اللغة الإنكليزية لتلامذة المرحلة الثانوية الرسمية، وصندوق ديانا كمال للبحث عن المنح الدراسية الذي يمكن أن يحقق حلم الدراسة في الولايات المتحدة لطلاب عرب مجتهدين من فئات فقيرة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فمن خلال هذا البرنامج تستطيع «أمديست» تحديد طلاب لديهم إنجازات يرغبون في متابعة دراستهم الجامعية في الولايات المتحدة لكنهم غير قادرين على تغطية النفقات، وبالتالي فإن الموارد في الصندوق تمكن «أمديست» من تقديم الخدمات التي تساعد العديد من المرشحين في تقديم طلب والتأهل لنيل منح مدرسية مدتها أربع سنوات».
وفي الختام، فإن كل هذه الأحلام والطموحات والأفكار تقدّم لنا عددا من المؤشرات التي تعكس وجود شريحة كبيرة من الجيل العشريني والثلاثيني الذين يطمحون بالسفر طلبا للعلم، وأحيانا إلى اللاعودة. ولعل السبب الأبرز الذي ذكره الشباب المتعطش للسفر هو مشكلة البطالة وتدنّي مستوى الدخل، مما يجعل التفكير المستقبلي في الاستقلال المادي غاية في الصعوبة. 
وطبعا هذا الواقع إن دلَّ على شيء فهو يدل على حجم المعاناة الذي يعاني منها الشباب اللبناني، لجهة الإرهاق النفسي والمادي، خصوصا عند أولئك الذين يرون في أنفسهم المؤهلات ولا يستطيعون الحصول على وظيفة تتناسب مع تلك المؤهلات. هذا بالإضافة إلى كثرة الضغوط الاقتصادية التي تشعر الشاب اللبناني بالإحباط والذل والقهر.