رحيل «نور» السينما المصرية
ها هي السينما المصرية والعربية، وفي غضون شهر واحد، تفقد شريفاً ثانياً من أعلامها الذين صنعوا مجدَ الفنّ السابع في أفضل أحواله وأحلكها. فارَقَ نور الشريف الحياة البارحة لينضمّ إلى رفاقِ الدرب العظماء الذين سبقوه إلى الحياة الآخرة.


طوَت شوارعُ القاهرة أمس الصفحة الأخيرة من مشوارِ صبيٍّ شقيٍّ كان يعشق كرة القدم قبل أن يتحوّلَ إلى أحد أهمّ اللاعبين في المشهد السينمائي المصري والعربي.

استعادت أمس شوارعُ المحروسة لقطاتٍ من حياة نور الشريف الذي عرفته طفلاً وودّعته علَماً من أعلام السينما العربية. هو الذي دحرَج كرتَه الصغيرة مراراً بين أزقتها، وأسرّ لشجيراتها بهمسات الحب الأوّل، وترك على نواصيها بعضاَ من ظلاله، لكي ينطلق «نورُ» نجوميته من «الشوارع الخَلفية».

هذه المرّة لم يكن موتُه شائعة. لم يكن سوى رحيل أخير إلى ما خلْف السينما وما بعد الحياة. رغم الأقاويل والشائعات التي لاحقته لسنوات، رحلَ بهدوءٍ حاملاً هامته، وكأنه برحيله وضع حدًّا لتهافتِ الكاميرات في سنواته الأخيرة على قضم لقطةٍ من جسده الهزيل في المرض، ونهايةً لرجم الشائعات التي ما وفّرت مناسبة أو رحلة علاج إلّا واستعجلت نبأَ الوفاة قبل أوانه.

نور الشريف الذي لطالما عشقته الكاميرا وعيونُ الجمهور ارتبط ارتباطاً وثيقاً بذاكرة الجيل من خلال موسوعةٍ من الأدوار التي كرّسته رجلَ الشخصيّات المتنافرة والمتعارِضة. فكرهناه وأحببناه وصدّقناه في أدوارٍ إتّسمت بمعظمها بطبيعية فائقة تجلّت في أدائه.

برحيله فقدت السينما المصرية بعضاً من بصيص «نورها»، بوداعها الوجهَ الذي ملأ صالوناتنا فرحاً وحزناً وسعادةً وألماً ورومانسيةً وموتاً.
نور الشريف الذي عرف بطولاتٍ تمثيلية بارزة كان في الحياة أيضاً البطل المُطلَق لواحدةٍ من أجمل قصص الحب التي عرفتها السينما المصرية والتي جمعته بالممثلة المصرية بوسي زوجته لنحو 30 عاماً، وأمّ ابنتيه سارة ومي التي لم تفارقه رغم طلاقهما عام 2006.
رحل الشريف أمس بعد صراعٍ طويل مع الحياة ومعارك طاحنة في الفنّ، فخرج منتصراً من الاثنين بعد 69 عاماً من الوجود والعطاء.

الإنبثاقة الأولى

عملاقُ السينما المصرية وأحدُ أبهى وجوهها وأكثرها حضوراً في إنتاجاتٍ تزخر بها المكتبة العربية وأرشيف الصورة على الشاشتين الذهبية والفضية، هو في الحقيقة ابن محافظة المنيا المولود عام 1946 لأسرة متواضعة وإسمه الحقيقي محمد جابر محمد عبد الله. كان ولَع نور الشريف وحبّه الأوّل ملتصقاً بكرة القدم، لكنّ التمثيل كان الشغف الذي سرقه من ملاعب الكرة وصفوفِ فريقِ الزمالك الذي كان من الممكن أن يصنعَ فيه شهرةً من نوعٍ آخر، ليلتحقَ بمواكب التمثيل من خشبة المسرح إلى الشاشة.

هكذا كان الدورُ الأوّل صغيراً من خلال مسرحية «الشوارع الخَلفيّة»، بعدها شارك في مسرحية «روميو وجولييت»، التي فتحت له بابَ التعرّف إلى عادل إمام الذي قدّمه إلى المخرج حسن الإمام وهو ما تُرجم من خلال ظهور أوّل للشريف في فيلم «قصر الشوق»، الذي حصل عن دوره فيه على شهادة تقدير، ليكتسبَ أوّلَ جائزة في دربِ جوائز لا تُحصى خلال مشواره الغني.

السينما

طوال مسيرته المهنية، استحوذ الشريف على قلوب المشاهدين في السينما والتلفزيون والمسرح، من خلال عددٍ هائل من الأعمال الخالدة التي رفعته إلى مرتبة الكبار في مجال التمثيل وليصبحَ من الأسماء «الصعبة» في الوسط الفنّي.

وقدّم الشريف أدواراً عدّة في السينما المصرية رشحته ليصبح أحدَ نجومها المميّزين. ومن بين أبرز الأدوار التي لعبها، دور الزوج العاشق في فيلم «حبيبي دائماً» الذي أبكى جميع مَن شاهده، ودور إبن رشد في رائعة يوسف شاهين «المصير»، ودور الطالب الثائر في «الكرنك»، ودور سجين في سجن أبو غريب العراقي في «ليلة البيبي دول»، ودور التاجر الغني في «عمارة يعقوبين»، ودور سائق التاكسي في «ليلة ساخنة»، ودور الطبيب في «أولى ثانوي»، وغيرها من الأدوار البارزة في عدد كبير من الاعمال، أهمها: «زوجتي والكلب»، «ابناء الصمت»، «أهل القمة»، «سواق الاتوبيس»، «دائرة الانتقام»، «ناجي العلي»، «الحفيد»، «حدوتة مصرية»، «السكرية»، «قصر الشوق»، «العار»، «زمن حاتم زهران»، «دم الغزال»، «دماء على الاسفلت»، «غريب في بيتي»، و»مسجون ترانزيت».

التلفزيون

وإلى جانب النجومية المُطلَقة لسنواتٍ طويلة على الشاشة الذهبية، لم يبخل الشريف على عشاق الشاشة الفضية بموهبته الفنّية الفريدة، فقدّم مسلسلاتٍ درامية طبعت الإنتاجات التلفزيونية الحديثة، ومن أهمّها: «عائلة الحج متولي»، «الدالي»، «رجل الأقدار»، «عمرو بن العاص»، «الحرافيش» - «هارون الرشيد»، «عمر بن عبد العزيز»، «لن أعيش في جلباب أبي»، «الرجل الآخر»، «العطار والسبع بنات»، «حضرة المتهم أبي»، «متخافوش».

المسرح

وكيف يمكن لممثّلٍ قدير أن يعتزّ بمسيرته المهنية ويتربّع على عرش السينما والتلفزيون من دون أن تكون له تجربة مسرحية، وهكذا، استكمل نور الشريف مسيرة التمثيل بالمشاركة في أعمالٍ مسرحية، وكان له وقعٌ بارزٌ على الخشبة الحنونة في «القدس في يوم آخر»، «يا غولا عينك حمرا»، «الأميرة والصعلوك»، «يا مسافر وحدك».

التكريمات

لقّب نقّاد السينما النجم نور الشريف بـ «صائد الجوائز»، حيث تجاوز عدد الجوائز التي حصدها الـ 50 جائزة، وقدّم للسينما ما يقرب من 200 فيلم سينمائيّ.

وحصل عن دوره في فيلم «بتوقيت القاهرة» على جائزة أفضل ممثل، بالإضافة إلى جائزة القدس للثقافة والإبداع. وحصل على جوائز عدّة عن فيلم «قطّة على نار»، ونال جوائز عن فيلم «يا رب توبة»، وفيلم «وضاع العمر يا ولدي»، و«حبيبى دائماً»، و«الكرنك»، و«حدوتة مصرية»، و«الطاووس»، و«العار»، و«أهل القمة». كما نال جائزة مهرجان «نيودلهي» عن فيلم «سواق الأتوبيس»، ولقب أفضل ممثّل عن دوره في فيلم «ليلة ساخنة» في مهرجان «القاهرة» السينمائي عام 1996.